تتزايد هذه الأيام النداءات لتدخل الجيش لفك الانسداد السياسي الحاصل في البلاد. ونفس النداءات سبق أن ردت عليها قيادة الجيش بالرفض وتجديد التمسك بالمهام الدستورية للمؤسسة العسكرية… كما سبق للجيش أن تدخل مباشرة في القرار السياسي وأنزل الدبابات إلى الشارع وعلق العمل بالدستور… والنتيجة يعرفها كل الجزائريين. ما العمل إذن؟
أويحيى صارح رجال الأعمال الذين إلتقى بهم مؤخرا بأن الجزائر لن تتحمل الوضع الحالي أكثر من ثلاث سنوات. وهذا كاف للحديث عن الانسداد ووجوب صدور قرارات سياسية هامة تعطي للبلاد نفسا جديدا لمواجهة الأزمة. أما إذا إنتظرنا ثلاث سنوات ويحل موعد الكارثة التي تحدث عنها أويحيى مع رؤساء منظمات الباترونة، فحينها سيكون الوقت متأخر لفعل أي شيئ. والقرار السياسي المطلوب اليوم هو أن يرحل بوتفليقة عن الحكم في أقرب وقت ممكن حتى يسمح للجزائر بأن يكون لديها رئيسا يخطط ويقرر ويخاطب الأمة ويحاور الرؤساء والحكومات الأجنبية
لكن هناك عدة طرق ليرحل بها بوتفليقة، وهناك من هذه الطرق من جربناها في السابق كتدخل الجيش ووضع الرئيس تحت الاقامة الجبرية وإعلان قايد صالح بإعتبار أعلى مسؤول في الجيش رئيسا للدولة. وعشنا هذا السيناريو مباشرة بعد الاستقلال حين أقدم وزير الدفاع هواري بومدين على وضع الرئيس بن بلة تحت الاقامة الجبرية ونصب نفسه رئيسا للدولة. والنتيجة أن الجزائر دخلت في مرحلة لا دستورية دامت 15 سنة تقريبا، وكانت تسير شؤونها بالأوامر والمراسيم في غياب سلطة تشريعية منتخبة. لكن على الصعيد الاقتصادي، أحاط بومدين نفسه بأحسن الاطارات التي كانت موجودة في الجزائر آنذاك وكان الاتحاد العام للطلبة الخزان الذي وفر لبومدين كل هذه الاطارات ومنح للجزائر قاعدة إقتصادية ما زالت إلى يومنا القاعدة الوحيدة التي يقوم عليها إقتصادنا، وهذه القاعدة هي سوناطراك المهددة بالعديد من الفضائح ومن السياسات الاصلاحية التي فشلت في إخراجها من طابع “المؤسسة الدولة” على حد تعبير المختصين.
إذا نظرنا إلى حصيلة بومدين، نجد الملايين من الجزائريين يقدسون الرجل إلى اليوم وملايين آخرين ينتقدونه ويحملونه مسؤولية ما وصلت إليه البلاد حاليا.
وفي كل الحالات لن نجد جزائري ربما يختلف عن آخر في وصف بومدين ب”الديكتاتوري الوطني”. وبالنظر إلى فضائح الفساد المنتشرة في عهدنا هذا، هل يمكن أن نراهن على سيناريو بومدين ونأتي بديكتاتوري جديد على رأس الدولة؟ الأكيد أن الديكتاتوري الذي سيترأس الدولة اليوم سيأخذ من مساوئ بومدين و”يغلق الأوباب على الجزائريين” على حد تعبير بوكروح، أكثر مما هي مغلقة اليوم، لكنه لن يأخذ من محاسن بومدين شيئا وسيبيع الثروات الوطنية بدل من تأميمها. ومن المؤشرات على ذلك تحول مؤسسة الجيش الوطني الشعبي إلى شريك في تركيب السيارات مع الأجانب كما يفعله أي مستثمر خاص.
إنقلاب 19 جوان 1965 لا فائدة منه، وعلينا أن نجرب السيناريو الثاني، أي سيناريو أكتوبر 1988. وهذا السيناريو بالرغم من عهد الحريات الذي فتحه علينا، هناك إجماع اليوم على أنه كان نتاج صراع في أعلى هرم السلطة ألقي إلى الشارع ولعب الجيش مجددا دورا محوريا فيه، حيث أخرج الدبابات إلى الشارع وأعلنت حالة الطوارئ… وعليه لم تدم فسحة الحريات طويلا وعدنا إلى الأحادية الفكرية والسياسية والاعلامية والنقابية بعناوين ورموز متعددة. فسيناريو أكتوبر 1988 أيضا لا فائدة منه ولا تستحق سمعة الجيش وتلاحمه مع الشعب أن نعرضها للخطر من أجل إعادة إنتاج أساليب الحكم المنتهية الصلاحية.
هناك سيناريو ثالث لعب فيه الجيش دورا رياديا هو سيناريو جانفي 1992. وحينها تفادى الجيش الانقلاب على الشاذلي علنية وتفادى الخروج إلى الشارع لإطلاق الرصاص على المتظاهرين، بإقناعه الشاذلي أن يتنحى من منصبه. وكان بإمكان الشاذلي أن يستقيل بعد دستور 1989 كما كان بإمكانه أن يؤجل تنظيم الانتخابات التشريعية سنة 1991 لأكثر من بضعة أشهر ما دام قد أعلن عن حالة الطوارئ… كل هذا لم يحدث وانتظرنا الانسداد لننقلب على المسار الانتخابي كلية ونعود إلى حالة اللادستور وما نتج عنها من سقوط للأرواح، لأجل ماذا؟ لأجل أن تأتي سنة 2017 ونجد أنفسنا غير قادرين على تسديد فاتورة الاستيراد.
سيناريو جانفي 1992 هو الآخر لا فائدة منه لأنه متأخر وكان بإمكان الجيش إقناع بوتفليقة بعدم الترشح سنة 2014. ويبقى إعلان شغور منصب الرئيس هو الحل الدستوري الذي لا يتنافى والشرعية الانتخابية ولا يتنافى والقواعد الديمقراطية. والذي يملك صلاحية إعلان حالة الشغور هو المجلس الدستوري وهذا الأخير لا يتحرك إلا بإيعاز من الرئيس والرئيس “لا يتأثر بأحد” كما يقول عنه من يعرفونه عن قرب. ماذا ينتظر بوتفليقة لاعلان عجزه عن ممارسة مهامه؟ ربما هو بحاجة للضغط بما أنه لا يتحرك والضغط يبدأ بتوقف قايد صالح عن ترديد شعار “الطابع الجمهوري للجيش” لأن الطابع الجمهوري مهمة الجزائريين جميعا وتفادي الكارثة التي يتحدث عنها أويحيى مهمتنا جميع أيضا.